أبو حامد الغزالي

40

تهافت الفلاسفة

الكتاب والسنة ، وبما عسى يكون هنا لك من فنون الأدلة الأخرى التي كانت معروفة لذلك العهد ، فأحس تضارب هذه الأدلة ، كما حدث هو عن نفسه في كتابه « جواهر القرآن « 1 » » فقال حاكيا عن قوم « وتناقضت عندهم ظواهر الأدلة حتى ضلوا وأضلوا » ثم قال حاكيا عن نفسه « ولسنا نستبعد ذلك فلقد تعثرنا في أذيال هذه الضلالات مدة » ، وطبيعي أن تتضارب هذه الأدلة ، لأن درجتها من القوة والضعف ، والحق والباطل ، ليست واحدة . كان لا بد للغزالي أن يولى وجهه شطر هذه الأدلة ليفحصها أولا ، ثم يفحص بها ثانيا . وقد فحص هذه الأدلة في ضوء العلم اليقيني الذي ينشده والذي : « ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريبة ، ولا يقارنه إمكان الغلط ، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا ، والعصا ثعبانا ، لم يورث ذلك شكا وإنكارا ، فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة فلو قال لي قائل : لا ، بل الثلاثة أكثر ، بدليل أنى أقلب هذه العصا ثعبانا ، وقلبها ، وشاهدت ذلك ؛ لم أشك بسببه في معرفتي ، ولم يحصل منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ، فأما الشك فيما علمته فلا ، ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه ، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني » . إذا كان هذا هو العلم الحق في نظر الغزالي فالميزان الحق هو الذي يوصل إليه ، وظاهر أنه ما دام يتشدد في مطلوبه هذا التشدد ، ويطلب نمطا عاليا من الوثاقة والقوة ، فلا بد أن يستبقى العقل والحواس فقط ويطرح ما عداهما ، إذ أن ما عداهما لا يمكن أن يحقق للغزالي ما يطلبه ؛ وهذا هو الذي كان منه ، بيد أن الغزالي لم يطمئن إلى العقل والحواس دون أن يجرى عليهما امتحانا دقيقا ، ليتبين هل في مكنتهما أن يحققا له اليقين الذي يبتغيه ؟ ! فأخذ يشكك نفسه فيهما قال : « فانتهى بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان

--> ( 1 ) ص 37 طبع الكردستانى .